Pages

بصمتك الكربونية .. قصة قصيرة


إستيقظت صباحا .. لم يكن ضوء الشمس قد تسلل الى غرفتى .. إمتدت يدى الى الأباجورة بجوارى .. أشعلت المصباح .. وعندما قويت على النهوض .. إنطلقت الى المطبخ .. أعددت كوبا من الشاى بواسطة الغلاية .. وقمت بسخين كعكة فى الميكرويف بعد أن أخرجتها للتو من الثلاجة .. ودون أن أنتظر قمت بأخذ حمامى اليومى وحلاقة ذقنى بينما ألتهم سيجارتى الأولى .. وفور إنتهائى أشعلت جهاز التكييف فى غرفة المعيشة وعدت الى كوب الشاى والكعكة لأكلهم أثناء كى ملابسى التى سأرتديها اليوم وأنا أتابع أخر الاخبار على قناتى الإخبارية المفضلة وأخد جولة فى القنوات الأخرى .. وبعد أن أتممت طقوسى اليومية .. إنطلقت الى العمل.
.. طلبت المصعد الى حيث أسكن .. وهبطت الى الجراج .. ذهبت الى سيارتى وأدرت محركها .. أمهلتها 5 دقائق لتستعد للإطلاق .. فالمدينة اليوم مزدحمة كعادتها .. تقريبا استهلكت 30 دقيقة لبلوغ مكان العمل بسبب زحام المرور .. فالسيارة وقفت أكثرر مما تحركت لكن جهاز التكييف أنقظنى من حرارة الجو .. لم يرهقنى شئ أكثر من إيجاد مكان إنتظار للسيارة فى الشوارع المحيطة .. وأخير وصلت الى مكتبى .. سريعا قمت بفتح التكييف والضوء وجهاز الكمبيوتر والطابعة وشبكة الإنترنت .. بدات مسيرة العمل .. 8 ساعات من العمل المستمر لم أدرك فيها أنى شربت 4 أكواب من الشاى .. ونصف علبة سجائر .. فهكذا يكون التركيز .. أنهيت العمل .. وهبطت بحثا عن سيارتى .. وحين وجدتها ..  إرتميت على مقعد القيادة .. وسريعا إمتدت يدى لإشعال التكييف ومعه سيجارة العودة.
عدت الى البيت .. قمت بطلب الغداء .. وجبة سريعة من أحد المطاعم القريبة .. حتى أخذت حمام الجديد لأرفع عنى الأتربة التى علقتت بوجهى والعرق .. جاءنى فتى المطعم سريعا بدراجته البخارية .. حاملا الطعام الساخن .. منحته حسابه وبعض البقشيش .. وإرتميت على مقعدى العريض فى غرفة المعيشة .. أضأت الغرفة بخمسة مصابيح حتى أشعر بمزيد من الطاقة .. ودار حوار كبير بينى وبين أجهزة الريموت .. الأول أشعلت به جهاز التكييف .. والثانى تكفل بالتليفزيون .. والثالث للريسيفر.
إلتهمت طعامى سريعا .. ومعه سيجارتان .. وأستخدمت زجاجة صودا كاملة للهضم .. حتى إمتد الخمول الى جسدى.
قررت أن أغفو قليلا .. قمت بتشغيل جهاز التكييف فى غرفة النوم .. قبل أن أدخل للنوم ببضع دقائق .. وأضأت نورا خافتا .. وقررت إستغلال ذلك الوقت .. فى غسل بعض الملابس .. أدرت برنامج الغسيل والتجفيف .. وضعت المسحوق والماء والملابس .. وقمت بضبط المؤشر وتركته يتم مهمته .. وذهبت الى السرير فى الغرفة المبردة .. وقمت بضبط منبه التليفزيونى بحيث يعمل بمجرد بدء مباراة كرة القدم التى أنتظرها .. ونمت فى ثبات عميق.
فى منتصف نومى .. فاجأنى .. رجل يحمل فى يده دفاتر وفواتير .. قائلا هذا كشف الحساب!!
قلت : أى حساب
قال: نصيبك فى إطلاق ثان أكسيد الكربون فى الجو
قلت: ومالى ومال الكربون .. أنا لم أفعل شيئا له علاقة بالكربون
ضم شفتيه وكأنه يسمع منى شيئا قد مل من تكرار سماعه وقال : إستلم الفاتورة أولا .. ثم دعنى أشرح لك
قمت غاضبا وقد إحمر وجهى وقلت: هل أنت أبله .. تريدنى أن أستلم فاتورة رسوم على فعل لم أرتكبه؟؟؟
واصل تعبير وجهه الممتعض .. وقال متمتما: هذا كثير .. تلك مهنة مرهقة .. ولو كل شخص مثلك أراد منى سببا لإخطار نصيبه فى إطلاق ثان أكسيد الكربون لربما ضاع عمرى فى ترديد كلام مكرر
إزداد غضبى من لهجته المتعالية .. ولكنى تماسكت وطلبت منه أن يتعطف ويكرر لأنى جاهل .. لكنى بالتأكيد لن أدفع مالا بدون سبب .. وأوحيت له بأنه سيلقى منى عقابا شديدا إذا لم أقتنع .. عقابا له على إضاعة وقتى .. وإيقاظى من نومى.
قال: أنت منذ أن استيقظت وأنت تنتج غاز ثانى أكسيد الكربون وغيرته من الغازات الخانقة التى تلوث الكوكب .. ولكن لا تقلق كلنا نفعل ذلك .. ولكن كلنا ندفع الثمن
قلت: كيف ذلك يا حكيم الزمان.
أنت استقظت وقمت بإضاءة الغرفة لمدة ساعة تقريبا .. وهذا استهلك كربونا نتيجة الطاقة الكهربائية التى أستهلكت .. وكنت قبلها تشحن هاتفك المحمول وكمبيوترك المحمول طوال الليل .. بينما ثلاجتك وجهاز التكييف يعملان دون إنقاطع .. واستخدمت السخان فى حمامك .. والميكرويف لتسخين فطيرتك .. والغلاية فى إعداد كوب الشاى .. والمكواة فى إعداد ملابسك .. وماكينة الحلاقة فى تهذيب ذقنك .. هل أكمل .. أم أنك فهمت ما أقصد؟؟



قلت: نعم .. وكيف عرفت ذلك؟؟
قال: كنت أتابعك عن كثب
قلت: وماذا فى ذلك؟؟
قال: إستهلكت سيادتك طاقة كهربائية بهذا المقدار .. وتلك الطاقة توازى كما من غاز ثانى أكسيد الكربون الناتجة عن مولدات الكهرباء العملاقة التى تعمل من خلال حرق الغاز أو المازوت.
قلت: أكمل .. وهات ما لديك
قال: إستهلكت طاقة فى المصعد .. وقمت بضخ مباشر لغاز ثانى أكسيد الكربون وغازات أخرى مماثلة عندما استخدمت سيارتك وهاتفك المحمول وتكييف السيارة .. وعندما ذهبت الى مكتبك قمت بتشغيل عدد كبير من الأجهزة  والمصابيح إستهلك مزيدا من الطاقة .. وفعلت المثل فى طريق العودة بسيارتك .. وتماديت فى إستهلاك الطاقة منذ أن عدت من العمل بهذا الكم من الأجهزة.
قلت : نوعا ما فهمت ما تريد .. ولكن ماذا تريد بالفعل؟
قال: لاشئ .. فقط تلك فاتورة بالخصم من رصيدك؟؟
قلت: رصيدى .. فى أى بنك؟؟



قال: بنك الحياة .. لقد استهلك تقريبا حتى الأن حوالى 6 كيلوا جرامات من الكربون اليوم فقط وحتى الآن.. أطلقتها فى الجو .. ما يعنى أنك ساهمت فى زيادة مشاكل الكوكب من الإحتباس الحرارى.
قلت : أنا؟ .. أنا مواطن عادى لا أسرف فى الاستهلاك .. وأستخدم الأمور بإعتدال .. فكيف أكون قد ساهمت فى مشاكل الكوكب؟؟
قال: بحسبة بسيطة أنت تنتج سنويا 2 طن تقريبا من غاز ثانى أكسيد الكربون من إستهلاكك المباشر .. وحياتك تلك التى تراها عادية لو استمرت فإننا فى غضون سنوات سنصبح فى حاجة الى ثلاث أضعاف مساحة الأرض لتحتمل الكربون الناتج عنها .. هل تعرف ماذا يسمى ذلك؟
قلت: ماذا
قال : إنها بصمتك الكربونية .. أو أثار أقدامك التى تتركها ورائك فى كل نشاط فى حياتك
قلت: ولكن لست المذنب الوحيد على ذلك الكوكب
قال : اعرف .. ولكن أنت شريك فى الجريمة
قلت : أى جريمة؟؟
قال: إغتيال الكوكب .. ذلك هو إخطارك بالخصم من رصيد حياتك
قلت متسائلا: لماذا رصيد حياتى .. سأسدد نقدا .. هل ينفع ذلك
قال: بالتأكيد ممكن .. ولكنى لا أتلقى أموالا .. أنا أرسل الإخطارات فقط .. إذا أردت أن تسدد ما عليك .. خفض استهلاكك الذى تراه عاديا من الأجهزة الكهربائية .. ولو عن طريق فصلها عندما لا تكون فى حاجة لها .. وأهمها التكييف والمصابيح وشواحن المحمول .. وإزرع شجرة



نظرت الى الإخطار .. وقبل أن أرفع عينى اليه مرة أخرى .. كان المحصل قد إختفى .. وأنا قد صحوت من غفلتى .. حقا لقد استقظت.






Data from World Bank

حاسبة الكربون

0 comments:

Post a Comment